27th Jan 2025
كَانَ الجَدُّ يَجْلِسُ فِي حَدِيقَةِ مَنْزِلِهِ الصَّغِيرَةِ، يَعْتَنِي بِالأَشْجَارِ التِي يُحِبُّهَا. قَالَ بِنَظَرٍ مَليءٍ بِالْحُبِّ: "يا أشجارِي، كَمْ أُحِبُّ قُدومَكُمْ كلّ رَبِيعٍ!". وَلَمَّا حَلَّ الصَّبَاحُ، أَحْضَرَ قَلْبَهُ مُوجَّهًا إِلَى طُيُورِهِ المُفَضَّلَةِ. جَاءَتِ الطُيُورُ مُبَكِّرَةً سَاعِيَةً إِلَى الْمَأْكُولَاتِ، قَالَ الجَدُّ يَطْعَمُهَا: "تفضلوا، أقربوا يا أصدقائي!".
كُلَّ يَوْمٍ، كَانَ الجَدُّ يُحَضِّرُ وجبتَهُ الخَاصَّةَ لِلطُيُور. كَانَتْ هُناكَ حَبَّاتُ العُنبِ حَلاً، وفَتَافيتُ الخُبْزِ. كَانَ الجَدُّ يُراقِبُهُمْ وَيُحَدِّثُهُمْ عَنْ أَحْلَامِهِ، قَائِلاً: "لو كنتُ طَائِرًا، لأَطَيرُ إلى السَّماءِ الزَّرقاء تُناسِبُني!". كَانَتِ الطُيُورُ تُغَني بأَصْوَاتهَا الشَّرِيرة وكانَتْ حَدِيقَتُهُ تَغْمُرُها الألوانُ الزاهِيَةُ، جَعلتْ مِنْهَا جَنَّةً، وهُنا كانت سعادَةُ الجَدِّ.
فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، بَينما كَانَ الجَدُّ يُغَنِّي بِنَغْمَةٍ فَرِحَةٍ، لَمَحَ فَرَاشَةً مُلَوَّنَةً تَحُومُ بَيْنَ الأَزْهَارِ. تَوقَّفَ لِحَظَةٍ وَقَالَ مُتَأَمِّلاً: "يَا لَها مِنْ خَلِيفَةٍ صَغِيرَة، تُحْمِلُ فِي أَجْنِحَتِهَا أَلْوَانَ الرَّبيعِ!". أَحَبَّتِ الطُيُورُ مَنْظَرَ الفَرَاشَةِ وَبدَأَتْ تُغَرِّدُ بِلَحْنٍ عَذْبٍ حَتَّى أَحْسَسَ الجَدُّ أَنَّ الحَدِيقَةَ تُغَنِّي مَعَهُمْ.
فِي تِلْكَ اللَّحَظَةِ، جَمَعَ الجَدُّ أَشْيَاءَهُ وَقَالَ لِنَفْسِهِ: "أعتزُ بِكُلِّ يَوْمٍ أَقْضِيهِ هُنَا، فَهُنَا أَجِدُ السَّعَادَةَ وَالاِسْتِقْرَارَ". تَخَيَّلَ الجَدُّ حَدِيقَتَهُ فِي أَيَّامِ الصَّيْفِ القَادِمَةِ، مَليئَةً بِالثِّمَارِ وَالأَزْهَارِ، وَكَانَ واثِقًا أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ سَيَكُونُ أَجْمَلَ مَعَ أَصْدِقَائِهِ الطُيُورِ. كَانَتْ سَعَادَةُ الجَدِّ فِي حَدِيقَتِهِ تُذَكِّرُهُ بِأَهَمِّيَّةِ الحَيَاةِ البَسِيطَةِ، حَيْثُ كُلُّ مَظْهَرٍ مِنْ مَظَاهِرِ الطَّبِيعَةِ يُضِيفُ طَعْمَ الفَرَحِ وَالأمَلِ لِكُلِّ يَوْمٍ جَدِيد.